كلام عيسى عليه السلام في المهد: صوت الرضيع الذي أجاب في محنة مريم عليها السلام

معجزة نبويةعلامة تأييد نبويوحي أو إخبار مسبقحجة على المخالفينالقرآن
⚙️ الطباعة والمشاركة وخيارات أخرى
📱 واتساب 📧 البريد الإلكتروني الصفحات المحفوظة

رمز QR

رمز الصفحة
رمز الصفحة

الشخصيات المرتبطة

يعرض القرآن كلام عيسى عليه السلام في المهد بوصفه آية نبوية مباشرة وجواباً إلهياً في لحظة المحنة التي واجهتها مريم عليها السلام. لما جاءت قومها تحمل مولودها واجهوها باتهام شديد، فلم تدخل في جدال طويل بل أشارت إلى الطفل. فاستنكروا مخاطبة صبي في المهد. عندها تكلم عيسى كلاماً مترابطاً، فعرف نفسه بأنه عبد الله ونبي، وذكر البركة والصلاة والزكاة والبر بوالدته. وكان هذا الكلام قد بُشر به من قبل في آل عمران، ثم ذكّره الله لاحقاً في المائدة ضمن نعمه عليه وعلى أمه.

تبدأ القصة في لحظة ضغط اجتماعي شديد. تأتي مريم عليها السلام إلى قومها وهي تحمل مولودها، فيفاجأ الناس بالمشهد ويواجهونها بكلام قاسٍ من الاتهام والإنكار. لا يخفي القرآن حدة الموقف؛ فمريم واقفة أمام جماعة ترى أنها تفهم ما حدث وتطالبها بجواب.

لا تدخل مريم في دفاع طويل، بل تشير إلى الطفل. وهنا يأتي اعتراضهم الذي يحدد موضع الاستحالة البشرية: كيف نكلم من كان في المهد صبياً؟ أمامهم رضيع، لا خطيب ولا شاهد ولا رجل قادر على شرح القضية.

ثم يتكلم عيسى عليه السلام.

تأتي كلماته الأولى لتضع المركز العقدي للمعجزة: «إني عبد الله». قبل ذكر النبوة، وقبل أي إشارة إلى ما سيجري على يديه مستقبلاً، يعلن عبوديته لله. ثم يذكر أن الله آتاه الكتاب وجعله نبياً، وجعله مباركاً أينما كان، وأوصاه بالصلاة والزكاة ما دام حياً، وجعله براً بوالدته ولم يجعله جباراً شقياً.

فالخارق هنا ليس مجرد خروج صوت من رضيع. الكلام منظم، ذو معنى، يحمل عقيدة وتكليفاً وأخلاقاً. ولهذا فهم المفسرون المتقدمون المشهد في سياق جواب التهمة الواقعة على مريم وإظهار براءتها، مع ضرورة التفريق بين هذا الفهم التفسيري وبين لفظ قرآني مستقل يقول صراحة إن براءتها أعلنت بجملة منفصلة.

وكانت هذه الآية قد بُشر بها قبل وقوع المواجهة. ففي آل عمران أخبرت مريم أن عيسى سيكلم الناس في المهد وكهلاً. ثم تأتي سورة مريم لتعرض تحقق هذا الوعد في لحظة عامة حاسمة. ويصف ابن كثير كلامه في المهد بأنه معجزة وآية من الله.

ثم تؤكد سورة المائدة الواقعة مرة أخرى. يذكر الله عيسى بنعمته عليه وعلى والدته، ومن بينها أنه أيده بروح القدس فكان يكلم الناس في المهد وكهلاً. وهكذا تحفظ الآية نفسها في ثلاثة أطر قرآنية متكاملة: بشارة قبلية، ووقوع علني، ثم تذكير إلهي لاحق.

ويأتي صحيح البخاري بتأكيد مستقل على خصوصية الحدث، إذ يذكر عيسى ضمن من تكلموا في المهد. لذلك فالصياغة الأقوى للقصة واضحة: مريم تواجه الاتهام وتشير إلى الطفل، والجمهور يستبعد أن يأتي جواب من رضيع، ثم يأتي الجواب من المهد نفسه. وأول ما يعلنه عيسى ليس تعظيم ذاته، بل عبوديته لله، ونبوته، وعبادته، وبره بوالدته.

الخلاصة

حكم الواقعة: هي معجزة نبوية قرآنية عالية الثبوت. وأقوى صورتها مسار كامل في الوحي: بشارة بكلام المهد، ثم مواجهة مريم لقومها، ثم إعلان عيسى من المهد عبوديته ونبوته، ثم تذكير الله لاحقاً بهذا الكلام بوصفه نعمة منه. ويمكن نشرها بوصفها آية لتأكيد النبوة وجواباً إلهياً قوياً في محنة مريم عليها السلام.

المصادر

Maryam 19:29-33
Ali 'Imran 3:45-46
Tafsir al-Tabari on Maryam 19:30
Qur'an 5:110