تحفظ المصادر الكلاسيكية رواية عن رجل اعترض على قول أو حديث بحضرة علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فواجهه علي باحتمال الكذب وعرض أن يدعو الله عليه إن كان كاذباً. وتقول الرواية إن الرجل قبل التحدي، فدعا علي ثم عمي الرجل قبل أن يغادر. وقد رويت القصة عند ابن أبي الدنيا والطبراني وفي فضائل الصحابة لأحمد وعند اللالكائي، إلا أن هذه الصيغ تدور في معظمها على أسرة إسنادية واحدة. وذكر الهيثمي أنه لم يعرف عمار الحضرمي في الطريق، مع توثيقه بقية الرجال، ولذلك يبقى تحقق العمى نفسه خبراً منخفض الثقة يحتاج إلى عرض تحريري حذر بوصفه كرامة مروية لا حقيقة صحيحة بلا قيد.
وتقول الرواية إن علياً دعا بعد ذلك، وإن الرجل عمي قبل أن يخرج أو قبل أن ينفض المجلس. وفي إطار روايات الكرامات الكلاسيكية يقدم هذا العمى المفاجئ بوصفه النتيجة الخارقة التي جاءت بعد دعاء علي. وينبغي أن يحافظ العرض العام على هذا التسلسل كما ورد، من غير إضافة تفسير طبي أو تشخيص مرضي، ومن غير تحويل الخبر إلى حكم أقوى بالعقوبة الإلهية مما تسمح به الرواية المنقولة.
أقدم ما جرى التحقق منه مباشرة لهذا الخبر يوجد في مجاب الدعوة لابن أبي الدنيا. وروى الطبراني أصل القصة في المعجم الأوسط، وجاءت صيغة قريبة في فضائل الصحابة لأحمد، وأدرجها اللالكائي في باب كرامات علي. وتبين هذه المواضع أن الخبر عرف قبولاً في التراث الكلاسيكي، لكنها لا تمثل أربع شهادات مستقلة. فالصيغ الأساسية تدور في معظمها على هشيم عن إسماعيل بن سالم عن عمار الحضرمي عن زاذان.
وتوجد داخل هذه الأسرة الإسنادية فروق في بعض التفاصيل. فصيغة أحمد تضع المشهد في الرحبة وتذكر واسطة غير مسماة بين زاذان والواقعة، بينما تنقل صيغتا ابن أبي الدنيا والطبراني المختصرتان القصة بصورة أكثر مباشرة. وينبغي إبقاء هذه الفروق ظاهرة وعدم دمجها في نص مركب يوهم بأنها رواية واحدة متطابقة. كما أن الرجل يبقى مجهول الاسم في الدليل المتحقق منه، فلا يصح تعيينه بشخص مذكور في أخبار أخرى عن دعوات علي المستجابة.
والاحتياط الإسنادي الرئيس صريح. فقد قال الهيثمي إنه لم يعرف عمار الحضرمي، مع قوله إن بقية رجال طريق الطبراني ثقات. ولأن النتيجة الخارقة الأساسية تعتمد على هذه الأسرة الإسنادية نفسها، ولم يعثر على طريق مستقل قوي، فلا يجوز تقديم العمى على أنه حقيقة تاريخية صحيحة بلا قيد.
فالنتيجة الأضبط أن المصادر السنية الكلاسيكية تحفظ خبراً فيه أن علياً واجه رجلاً بشأن كذب مزعوم، ثم دعا بعد قبول الرجل للتحدي، وقيل إن الرجل عمي قبل أن يغادر. وقد تلقى الخبر في سياق كرامات الصحابة، لكن تحقق النتيجة بعينها قائم على أساس إسنادي ضعيف يدور في الغالب على طريق واحد. لذلك ينبغي إبقاؤه خبراً عن كرامة منخفضة الثقة يحتاج إلى مراجعة تحريرية، لا واقعة ثابتة مصححة بلا تحفظ.
الخلاصة
تحفظ المصادر السنية الكلاسيكية خبراً أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه دعا على رجل بعد أن تحداه في كذب مزعوم، ثم قيل إن الرجل عمي. ولأن تحقق هذه النتيجة الخارقة يعتمد على أسرة إسنادية ضعيفة تكاد تكون واحدة، فالأدق عرضه كخبر كرامة منخفض الثقة يحتاج إلى مراجعة تحريرية.